حماية القيم الإنسانية

طلال أبوغزاله

تُعدّ الملكية الفكرية حجر الأساس للتقدم البشري، فهي تحمي نتاج العقل؛ بدءا من الكتب التي شكّلت الحضارات، إلى الاختراعات التي غيّرت الصناعات، والأعمال الفنية التي منحت صوتا لخيالنا الجمعي. ومع انتشار الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات، يفرض هذا التحول تحديا على تعريف الأصول الفكرية وعلى الأسس ذاتها التي تقوم عليها الإرادة الإنسانية. فنحن نعيش اليوم واقعا تُلتقط فيه الأنماط المعرفية الفريدة، والأساليب المميزة، والمخرجات الإبداعية الشخصية العميقة للأفراد، وتُرقمن وتُستنسخ بواسطة الآلات.

إنها مسألة تتعلق بالسيادة، وبحقوق الفرد، وبالمسؤولية الأخلاقية الواقعة على عاتق المجتمعات والمؤسسات. فعندما تُدرَّب الخوارزميات على التفاصيل الهائلة للتعبير الإنساني، فإنها لا تتعلم منا، بل تستخلص منا أيضا. فهي تستولي على صوت المغني، وأسلوب الصحفي، وعلى الذائقة الفنية للفنان، ثم تعيد إنتاجها بدقة، وغالبا من دون موافقة ومن دون تعويض. وفي هذه العملية، لا يعود الفرد مجرد مبدع للأعمال، بل يصبح مزودا للمواد الخام التي تعتمد عليها الآلات، وما هذا إلا انتقاصا من السيادة الإنسانية. وقد شهدنا بالفعل تجليات هذا الصراع على أرض الواقع. ففي هذا العام وحده، سعت إحدى المغنيات الشهيرات إلى تسجيل صوتها وهيئتها كعلامة تجارية لحمايتهما من التزييف العميق (Deepfakes) المعتمد على الذكاء الاصطناعي. ويُظهر هذا المثال أن حتى أكثر الفنانين نفوذا باتوا مضطرين إلى البحث عن وسائل حماية جديدة، لأن نظام الملكية الفكرية القائم، الذي صُمم لحماية الأعمال الثابتة، لا يوفر حماية كافية لجوهر الفرد.

لذلك يجب أن تكون أطرنا القانونية والاقتصادية الحالية أكثر استعدادا لمواجهة هذا التحدي. فقد صُممت هذه الأطر من أجل براءات الاختراع والمخطوطات، أي من أجل أشياء يمكن تعريفها وامتلاكها بوضوح. أما اليوم، فيتعين تحديثها لتواكب البيانات المتدفقة والمستمرة والشخصية للغاية التي باتت تُعرّف الهوية الإنسانية. فنحن نواجه فجوة في الحماية، تُعامل فيها البصمة المعرفية الفريدة للفرد على أنها ملكية عامة لمجرد أنها تتكون من معلومات. وما لم نُرسِ أطرا أفضل تعترف بالملكية الفكرية الشخصية، فإننا نجازف بمستقبل يُختزل فيه الإنسان إلى مجرد مدخل بيولوجي يغذي الأنظمة الرقمية.

ويجب أن تكون الكرامة والحماية هما المبدآن الموجهان لعصرنا الرقمي. وللحفاظ عليهما، ينبغي أن نتجه نحو ترسيخ مفهوم السيادة المعرفية. ويعني ذلك إعادة صياغة الطريقة التي نُقدّر بها مساهمة الفرد في المشاع الرقمي ونحميها. كما يعني الاعتراف بالملكية الفكرية الدقيقة لكل شخص، أي الأنماط الفريدة للفكر والأسلوب والتعبير التي تُشكّل هويته الفكرية. وهذا يعني أيضا بناء نماذج اقتصادية تضمن تعويض الأفراد ليس فقط عن الأعمال التي ينتجونها، بل كذلك عن بيانات وجودهم التي تُغذي محركات الذكاء الاصطناعي.

إن الدول التي تتصدر الجهود الرامية إلى إرساء هذه الحقوق الجديدة ستصبح مهندسة لعصر رقمي يتمحور حول الإنسان، عصر يعزز فيه الذكاء الاصطناعي الإمكانات البشرية بدلا من محو الفرد في سبيل السعي إلى الكفاءة. وهذه هي مسؤولية عصرنا، وهي مسؤولية لا يجوز لنا أن نهملها.


login